محمد هادي معرفة
20
التمهيد في علوم القرآن
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ « 1 » وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلّا من عرف الطبّ بكماله ، إذ لا معنى للطبّ إلّا معرفة المرض بكماله وعلاماته ، ومعرفة الشفاء وأسبابه . ومن أفعاله تعالى تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان . قال تعالى : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ « 2 » وقال : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ « 3 » . وقال : وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ « 4 » وقال : . . . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ « 5 » ، وقال : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ « 6 » . ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان ، وخسوفهما ، وولوج الليل في النهار وكيفية تكوّر أحدهما على الآخر ، إلّا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض ، وهو علم برأسه ولا يعرف كمال معنى قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ « 7 » إلّا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا ، وعددها وأنواعها ، وحكمها ومنافعها . وقد أشار في القرآن في مواضع إليها ، وهي من علوم الأوّلين والآخرين ، وفي القرآن مجامع علم الأوّلين والآخرين . وكذلك لا يعرف معنى قوله : سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 8 » ما لم يعلم التسوية ، والنفخ والروح ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق ، وربّما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها . قال : ولو ذهبت افصّل ما تدلّ عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال ، ولا يمكن الإشارة إلّا إلى مجامعها . فتفكّر في القرآن ، والتمس غرائبه ، لتصادف فيه مجامع علم الأوّلين والآخرين « 9 » .
--> ( 1 ) الشعراء : 80 . ( 2 ) الرحمن : 5 . ( 3 ) يونس : 5 . ( 4 ) القيامة : 8 و 9 . ( 5 ) الحجّ : 61 . ( 6 ) يس : 38 . ( 7 ) الانفطار : 6 - 8 . ( 8 ) الحجر : 29 . ( 9 ) جواهر القرآن : ص 32 - 34 ( راجع الذهبي : ج 2 ص 474 ) .